المُطارد (من المهد إلى اللحد)


المواطن المصرى, المواطن المصرى يا جماعة كتّر خيره انه لسة مانقرضش لأنه اللى يعيش فى المجتمع بتاعنا صعب جدا يكبر ويبقى بنى أدم سوى أو يعيش فى مجتمع تانى بصورة طبيعية وعشان كدة دايمًا تلاحظا فى ناس بتقول “المصريين بيبقوا وحشين أوى برة” هما مش وحشين ولا حاجة بس اعتقد انه اللى بيقدر يخرج من المجتمع دة بيحاول يقطع علاقته بيه بكل الأشكال فلو قابلت مصرى برة هيتبرئ منك.. ليه؟ عشان المجتمع المصرى زى الشبح بيفضل يطاردك لنهاية حياتك وعشان كدة هحكيلكوا حكاية المواطن المصرى ازاى بيتربى.

بتبدأ الرحلة مع ميلاده و سماع أغنية “مصر هى أمى, نيلها هو دمى, شمسها فى سمارى, شكلها فى ملامحى, حتى لونى قمحى لون نيلك يا مصر” فطبعًا يا عينى الطفل من دول لو طلع ابيضانى شوية بيجيله مشاكل نفسية لأن معنى انه لونه مش قمحى يبقى أكيد “مشربش من نيلها ومجربش يغنيلها ومجربش فى عز ما يحزن يمشى فى شوارعها ويشكيلها” فبيبدأ الطفل يحس انه “انت مش ابنى, اللى لونه قمحى هو اللى ابنى” وتبدأ رحلته كلقيط مستنى حد يقول له لأ الكلام دة مش صح .. المهم أهله مبيسيوهوش كدة بيبعتوه عالمدرسة و عندها تبدأ مرحلة جديدة مشرقة أكثر و بيتعلم فيها ان كلنا ولاد مصر وحبايب مصر بس الموضوع واحدة واحدة بيبقى روتينى جدًا و عينك تدريجيًا تتعود على العلم المصرى الباهت المتسخ من كتر ما هو مرمى فى الشمس  لما أكلته و محدش بيفكر يغسله أو يغيّره لدرجة انك لما تروح أى مكان وتشوف على مصر حلو وألوانه زاهية بتفكر إنه علم مزوّر – احنا علمنا “رمادى فى بيج فى زهرى” – وبعد كدة انت بالبديهة والفطرة هتعرف ان مصر هى أم الدنيا من غير ما حد يقولك لأن ببساطة “مصر يا ام البلاد, أنتِ غايتى و المراد وعلى كلِ العباد كملنيلى من أيادى” بتقضى كذا سنة من عمرك وأنت مستنى ييجى عليك الدور عشان تاخد شوية “كملنيلى” –بيقولوا حلو اوى-

ولما تكبر بتفهم انه كله كلام ومفيش كملنيلى ولا حاجة وإنك كنت بتسمعها وبتغنيها غلط وتتحطم أحلامك وآمالك بأنك تحظى ببعض الكملنيلى التى تشتهر به أم الدنيا وترجع لك متلازمة “مشربتش من نيلها” تااااااااانى

و مع تقدم سنك أكثر فأكثر لازم تلتزم بتقاليد المجتمع اللى انت عايش فيه زى انك كل سنة لازم  تتفرج على أفلام “الرصاصة لا تزال فى جيبى” و “الطريق إلى إيلات” وكل الأفلام الجميلة اللى بتحفز الانتماء و القومية العربية عند النشء وبرضو بتوجه بعض الرسائل زى انك ممكن تعمل قنابل ناسفة من العسلية و لو حبيت تتهرب من التجنيد ممكن تعمل نفسك تعبان و عندك حمى و لاتخلو الأفلام ايضا من قصص الحب والرومانسية يعنى لامؤاخذة “كله موجود يا باشا” تعالى بس واحنا نظبّطك ..طبعا فى ناس هتقول لك ايه الأفلام دى أنا مسمعتش عنها وهيكون ردى الوحيد “أصله معدّاش على مصر” و مع الأفلام دى و الكم الهائل اللى هتدرسه فى المدرسة عن تاريخ مصر و عظمة مصر و ملوخية مصر والكلام اللى احنا هارشينه دة هيجول فى خاطرك سؤال “أومال احنا مالنا يا جدعان؟” فببساطة المدرسة أو مامتك أو أى حد من عيلتك هيقول لك “يا ابنى المصرى بيبدع لما تكون البلد فايقة ومفيش تدهور .. تقدر تقول لما ميكونش فيه طوارئ والظروف الدخيلة على شخصية المصرى” المهم انت هتكتشف ان مصر قضت ربع حياتها مرتاحة والمصريين بيبدعوا والباقى طوارئ وظروف دخيلة, بس انت هتصمد وهتقاوم “ومتقولش ايه ادّتنا مصر قول هندّى ايه لمصر؟” بس عارف ليه؟ عشان مصر أصلًا مش هتدّيك حاجة مش عشان هى بخيلة ووحشة بسهى معهاش حاجة تدّيهالك يا عم الحاج راحت عليك يا عزيزى, الوضع مأشفر معاها عالأخر, مصر دى المفروض فى مدخل المطار بيبقى مكتوب “ادخلوها بسلام امنين” لا المفروض كمان تحتها يعملوا يافطة مكتوب “واحترس من اللصوص والنشّالين” دول قلّبوا مصر ذات نفسها يا عمّى مش هيعرفوا يقلّبوك انت؟ الكلاب اللى ضحكوا عليها وفهمّوها انهم ابناءها الأوفياء وخدّوا كل فلوسها و هى هبلة وصدّقت .. طب سيبى حاجة للزمن يا شيخة … بس أنت طبعا مش مستنى من مصر ميراث ولا كلام من دة أنت مستعد تقضى عمرك فى حب مصر بس حب من طرف واحد وبرضو مش عشان هى بخيلة فى مشاعرها بس عشان هى مش فاضية تسيب المصايب اللى بتحصل لها كل يوم وتقعد تحبك يعنى خلّى عندك شوية دم. بس طبعا انت بتكون خلاص وقعت فى حب مصر “البهية أم طرحة وجلابية” و مصر تسكت على كدة؟ لا متسكتش لازم تستغل حبك ليها وتوظفه فى المكان الصح فبتروح مدّياك ألو وتقولك عايزة اشوفك وانت يا عينى تلبس اللى عالحبل وتقول خلاص الفرج جه من عند ربنا وتروح تقابلها وتقعدوا على صخرة فى النيل أو البحر مش هنختلف و تبدأ تغنيلك “وأنااااااااا على الربابة بغنى ملقتش غير كلمة أمل للجنود” فانت كشاب مراهق أهبل هتفرح وتقول شكل مصر بتحب الجنود فتروح رايح التجنيد عشان تأدى واجبك الوطنى ومصر تحبك وبعد ما تلبس فى الجيش وتطلع تتفاجئ ان مصر قاعدة مع شاب تانى بتغنيله نفس الكلمتين اللى ضحكت عليك بيهم, هتعيش زى باقى البشر بتحب مصر بدون مقابل وبدون شروط و يوم عن التانى بتتأكد انك “هتعيش لمصر وتموت لمصر ومصر مصر تحيا مصر”

الكلام دة لو انت فى وضع عادى لكن فى حالة انك شهدت ثورة  -مش هحرق لك الفيلم واقولك انها هتفشل زى كل مرة- الثورة هتحيى فيك الأمل و هتحس انك بتكتب التاريخ وفى أجيال هتدرسه فى الكتب وان كتب التاريخ دى مش فتى و من خيال الكاتب انما هى حقيقية وبتحصل وبعدين يظهر لك العواجيز اللى محروقين أوى وحاسين ان “عملوها الأبطال يا ريتنى كنت معاهم” فطبعا لازم يحطّوا التاتش بتاعهم فى الثورة كالتالى:

عمو العجوز: تعالى يا حبيبى انت بتعمل ايه؟

انت: بعمل ثورة يا عمو

عمو: الله ورينى كدة

انت: اتفضل يا عمو *عشان انت أهبل*

عمو:الللللله, ايه الثورة الجميلة دى؟

انت: شكرًا يا عمو

عمو: بص يا حمادة انا هشيلهالك معايا عشان انت لسة صغير و ممكن تبوظ منك ولا حد من العيال الوحشين ياخدها

و كل واحد يسلم حتة الثورة اللى كانت معاه لعمو اللى تبعه و فى التيار بتاعه أو هو كان فاهم كدة و يبدأ كل عمو يتصرف على مزاجه و يهدد الباقيين بحتة الثورة اللى معاه لحد ما الثورة والثوار يتفتتوا الّا من رحم ربى و كل دة ليه؟ عشان شوية عواجيز عاشوا أرانب فى الجحور طول حياتهم و هيموتوا أرانب برضو بس متشطّروش غير علينا و عاملين نفسهم “شايفين اللى احنا مش شايفينه” بالله عليكم بطلوا تشوفوا اللى احنا مش شايفينه ..وكدة كدة انت برضو هتكتشف لوحدك انك مكنتش بتحارب نظام سياسى برموزه دة انت كنت بتحارب نظام سياسى بمؤيديه بمعارضيه بالمواطنين اللى اتربوا فى ظل هذا النظام المتسخ لأنك هتكتشف انه دى ناس عايشة بمبدأ “كأن” كأن كان فى وطن و كأن فى رئيس و حزب حاكم و كأن فيه معارضة و كأن فى مواطنين وهيبدأ المجتمع اللى انت عايش فيه يتدهور لدرجة انك هتحس ان الناس قبل الثورة اللى عملناها بشكل او بأخر كانوا أحسن ومكانش فيه كل هذا الانحطاط الأخلاقى والتدهور الدينى و حتى شوية المظاهروالاحتشام اللى كنا بنتمسك بيهم مبقوش موجودين وكل حاجة انهارت على دماغنا ..بعد كل دة هتعيش فترة من الزمن معتقد فى “أموت أموت وبلدنا تعيش” و معتقد انهم لما يقولوا لك يلا عالجنة هتقول لهم “الجنة بلادى” و هيفضل شبح الوطن والوطنية يطاردك واحساسك انك اخفقت و الحقوق ضاعت والمجتمع انحط أكتر ما كان منحط وتفضل خايف تهج وتسيب البلد عشان ميقولوش عليك “معندكش انتماء ووطنية” رغم انك كنت مستعد تضحى بحياتك عشانها و الشبح دة ممكن يتمكن منك ويكتّفك و تفضل طول حياتك خايف من بعبع “انت معندكش انتماء” بس الحاجة اللى تاهت عن دماغهم وهما بيقولولك كدة انهم كانوا المفروض يجيبولك وطن الأول عشان تنتمى له وعلى رأى اللى قال “حب الوطن بيعيش لما يموت الجوع” “يا حضن بيساعنى واحتاجت له وباعنى ساعة ما مد ايديه شاور و ودّعنى” وحتى لو انت قررت تمشى وتبدأ حياتك فى مكان تانى فى العالم و الوطن شاور و ودّعك اوعى تنخدع وتفتكر انه هيسيبك كدة بسهولة لااااء يا حبيبى دة هيبعت وراك عشان يفرض عليك ضرايب هوه هوه هووووووه …هو لامؤاخذة دخول الحمام زى خروجه …  دة بعدك يا عزيزى

وهكذا بتبدأ حياة المواطن المصرى بأغنية وبتنتهى بأغنية وكله أغانى فى أغانى و مفيش أفعال .. عايزين حرية –رغم عبوديتنا- نغنى ,عايزين نحس ان فيه وطن –رغم عدم وجوده- نغنى , عايزين نحس بالنصر –رغم هزيمتنا- نغنى, عايزين نرجع فلسطين –رغم تخاذلنا- نغنى, عايزين نطفو –رغم غرقنا- نغنى.

*نأسف على جرعة الإحباط الزايدة* 

تنويه: الناس اللى بتسأل عن “ظواهر مصرية مثيرة للدجل” عايزة اقول بس انه خلال الفترة اللى فاتت الواحد شاف مهازل فى البلد و كبائر بصراحة فيعنى اللى يحاول يسيب كل اللى بيحصل ويكتب مقال ساخر عن اى حاجة تانية يبقى عنده مشاكل نفسية فعلا لأن هو حتى لو حاول عقله مش هيدّيله الفرصة لأن الوضع مزرى و محزن للغاية انت ممكن تجيب موقف ساخر واتنين لكن مش هتقدر تكمّل وبعدين الشارع مبقاش مساعد الشارع بقى مقرف جدا والناس بقوا مقرفين وعمالين يتجهوا الى الاسوأ حتى الشارع السكندرى الهادئ الجميل بطبعه بدأ يتصف بصفات كثير سيئة او ربما هناك دخلاء يحاولون افساد صفو المكان وعامة المجتمع المصرى ككل بقى مجتمع سئ جدا ومنحط اخلاقيًا بشكل غير طبيعى وفى الاخر يقولك الشعب المتدين بطبعه سلامااات يا تدين .. فظواهر مصرية هترجع ان شاء الله بس خلينا نفوق شوية الأول .. شكرًا 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s